أحمد ياسوف
410
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وتدخّل بشري ، كما تؤكد العدالة الإلهية ، ونلتمس العذر له في هذا المقام ، لأنه يريد تبيين الموازنة بين جانبي الخير والشر في آية واحدة ، فنبّه على عدم التكرار إذ جاءت التاء عامل تنبيه وتفريق بين سلوكين . وهذا ما أوضحه بعده ابن أبي الإصبع قائلا : « وإنما منع ذلك ما يحصل للنظم من العيب وإغماض المعنى الذي قصد ، أما العيب فاستثقال « كسب » بغير زيادة في نظم قربت فيه الثانية من الأولى فسمج ، وأما الإغماض فلأن المراد الإشارة إلى أن الفطرة التي فطر اللّه سبحانه وتعالى الناس فطرة الخير ، فالإنسان بتلك الفطرة السابغة في أصل الخلق لا يحسن أن ينسب إليه إلا كسب الحسنات ، وما يعمله من السيئات يعمله لمخالفته الفطرة ، فكأنه تكلّف من ذلك ما ليس في جبلّته ، فوجبت زيادة التاء التي للافتعال » « 1 » . ويمكن أن نجمع طائفة كبيرة من الأفعال في القرآن الكريم دلّت كثرة حروفها على زيادة الحدث . مثل وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [ طه : 132 ] ، وكذلك قوله عز وجل في وصف أهل النار وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها [ فاطر : 37 ] ، إذ عدل البيان الإلهي عن الصبر إلى الاصطبار ، وعن الصراخ إلى الاصطراخ . وقد أشار الإمام الزركشي إلى الحرف الذي زيد في الكلمتين ، إنه حرف الطاء أحد حروف الإطباق ، وهو حرف شديد ، بل يعد أقوى الحروف فقد أكد أن : « واصطبر » أبلغ من الأمر بالصبر ، وأن « يصطرخون » أبلغ من « يتصارخون » « 2 » . وعندما نقرأ الآيتين نجد أن حرف الطاء يساعد على تجسيم الجهد
--> ( 1 ) بديع القرآن ، ص / 305 ، وانظر الطراز : 2 / 164 . ( 2 ) البرهان : 3 / 38 .